اخبار محلية

تحديات خفيةٍ تُواجه دُولَ مجلس التعاون…

وقع الحدث متابعات :-

حَذَّرَ صاحبُ السمو الملكي الأميرُ تركي الفيصل، رئيس مجلس إدارة مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية، من تحديات خفيةٍ تُواجه دُولَ مجلس التعاون لدول الخليج العربية، قد لا تقلُّ آثارها على أمن المجتمعات واستدامة التنمية من تداعيات الحروب والصراعات التي تشهدها المنطقة، مؤكدًا أن التحولات السكانية المتسارعة ومخاطر الذكاء الاصطناعي تفرضان على الدول الخليجية تبنّي رؤية إستراتيجية مشتركة، تجمع بين الاستعداد للتغيرات الديموغرافية والاستفادة من التطورات التقنية، من دون إغفال ما تحمله من تهديدات اقتصادية واجتماعية وأمنية.

جاء ذلك في محاضرة ألقاها سموُّه بعنوان: «تحديات اليوم لمقومات المستقبل»، استضافها مركزُ الشيخ إبراهيم بن محمد آل خليفة للثقافة والبحوث، بدعوة من الشيخة مي الخليفة مؤسس ورئيس مجلس أمناء المركز، في مدينة المحرق بمملكة البحرين، يوم الأحد 21 جمادى الأولى 1448هـ، الموافق الأول من نوفمبر 2026م، ضمن موسمه الثقافي الخامس والعشرين، الذي يحمل عنوانًا: «أجمل التاريخ كان غدًا».

واستهل سموُّ الأمير تركي الفيصل محاضرَته بالإشارة إلى التحديات الأمنية التي تواجه دُولَ الخليج، وفي مقدمتها الاعتداءات بالصواريخ والطائرات المسيَّرة وتهديد الملاحة الدولية، محذرًا من مشروعات الهيمنة والتوسع الإيرانية والإسرائيلية، ومؤكدًا أن المنطقة تواجه، إلى جانب هذه التهديدات الظاهرة، تحدياتٍ خفيةً لا تقلُّ خطورةً على أمن مجتمعاتها واستقرارها ومستقبل تنميتها.

وانتقل سموُّه إلى استعراض أُولَى هذه الأزمات، المتمثلة في التحولات السكانية، مشيرًا إلى الانخفاض الكبير في معدلات الخصوبة بدول مجلس التعاون خلال العقود الماضية. واستشهد ببيانات البنك الدولي لعام 2024م، التي أظهرت أن سلطنة عُمان سجَّلَت أعلى معدل خصوبة خليجيًّا بنحو مولودَيْنِ ونصف لكل امرأة، تلتها المملكة العربية السعودية بنحو 2.3، ثم البحرين بنحو 1.8، وقطر بنحو 1.7، والكويت بنحو 1.6، والإمارات العربية المتحدة بنحو 1.2 لكل امرأة.

وأوضح أن أربع دول خليجية أصبحت دون مستوى الإحلال السكاني البالغ نحو 2.1 مولود لكل امرأة، وهو ما ينذر بتحولات عميقة في التركيبة السكانية إذا استمر الاتجاه الحالي. ولفت إلى أن انخفاض الخصوبة ليس سوى أحد وجهي الأزمة، بينما يتمثل الوجه الآخر في شيخوخة المجتمعات، التي تتقدم تدريجيًّا مع ارتفاع متوسط العمر المتوقع، وتحسُّن الرعاية الصحية، وتراجع أعداد المواليد.

وبَيَّنَ سموُّه أن المجتمعات الخليجية لا تزال تتمتع بتركيبة عمرية شابة، غير أن هذه الميزة ليست دائمة؛ إذ ستؤدي التحولات المرتقبة إلى ارتفاع نسبة كبار السن مقارنة بالسكان في سن العمل، وزيادة أعباء الإعالة والضغوط على أنظمة التقاعد والرعاية الصحية. كما ستمتد آثارها إلى أنماط الأسرة والادخار والاستهلاك وأسواق العقار والعمل، وقدرة الاقتصادات الخليجية على المحافظة على معدلات النمو والرخاء.

وشدد على ضرورة التمييز بين التحولات السكانية للمواطنين والتغيرات في إجمالي السكان، نظرًا إلى خصوصية التركيبة الديموغرافية الخليجية واعتماد اقتصادات دول المجلس بدرجات متفاوتة على العمالة الوافدة، مؤكدًا أن استشراف المستقبل يتطلب فهمًا دقيقًا لهذه الاختلافات، بدلًا من التعامل مع المنطقة بوصفها كتلة سكانية متجانسة.

وفي تناوله التحدي الثاني، أوضح سمو الأمير تركي الفيصل أن الذكاء الاصطناعي يمثل أحد أكبر التحولات التقنية في تاريخ البشرية، بما يوفره من فرص لرفع الإنتاجية وتحقيق مكاسب اقتصادية واسعة. واستشهد بدراسة أصدرتها شركة «برايس ووترهاوس كوبرز» عام 2017م، قدرت أن الذكاء الاصطناعي قد يضيف نحو 15.7 تريليون دولار إلى الاقتصاد العالمي بحلول عام 2030م، منها نحو 320 مليار دولار في منطقة الشرق الأوسط.

غير أن سموه حَذَّرَ من أن هذه المكاسب تقترن بأخطار كبيرة على أسواق العمل، مشيرًا إلى تقديرات تفيد بأن نحو 300 مليون وظيفة بدوام كامل عالميًّا قد تتعرض للإحلال بفعل الذكاء الاصطناعي، وأن نسبة واسعة من الوظائف في الاقتصادات المتقدمة ستكون معرضة للتأثر بهذه التقنية. كما أشار إلى تقديرات صندوق النقد الدولي بأن نحو 40% من الوظائف العالمية معرضة للتأثر بالذكاء الاصطناعي، وإلى تحذيرات منظمة العمل الدولية بشأن الوظائف المكتبية والإدارية، التي تستوعب قطاعات واسعة من الخريجين الجدد.

وأكد أن هذا الواقع يضع الاقتصادات الخليجية أمام معادلة دقيقة، تتمثل في تحقيق الاستفادة القصوى من مكاسب الإنتاجية التي توفرها التقنية، مع المحافظة على قدرتها على خلق فرص عمل للأجيال الجديدة، وتجنُّب اتساع البطالة في القطاعات الأكثر عرضة للأتمتة. وتناول سموه الأخطار الأمنية المرتبطة بتطور الذكاء الاصطناعي المستقل، الذي يتيح للأنظمة اتخاذ قرارات معقدة من دون تدخل بشري مباشر، محذرًا من تداعيات استخدامه في المجالات المالية والطبية والعسكرية، خصوصًا إذا تجاوزت قدرات هذه الأنظمة حدود الفهم البشري لسلوكها وإمكانات التحكم فيها.

ولفت إلى أن التنافس المتسارع بين الدول الكبرى والشركات التقنية قد يدفع إلى تجاوز معايير السلامة قبل استيعاب الأخطار المحتملة، مؤكدًا أن التعاون الدولي في هذا المجال أصبح ضرورة إستراتيجية؛ حتى لا تتحول المنافسة على الريادة التقنية إلى سباق يفقد فيه الجميعُ القدرةَ على السيطرة على الأنظمة التي يطورونها. وحذَّرَ من التوظيف العسكري للذكاء الاصطناعي، ولا سيما من جانب الجماعات المسلحة الخارجة على سُلطات الدُّوَل، التي بات بإمكانها الاستفادة من التقنيات المتقدمة في تطوير الطائرات المسيَّرة والقدرات القتالية منخفضة التكلفة. وأشار إلى الأخطار المرتبطة بتوظيف هذه التقنيات في تطوير الأسلحة وإنتاج المحتوى الصوتي والمرئي المزيف، بما يتيح نشر المعلومات المضللة وإثارة الاضطرابات داخل المجتمعات خلال أوقات قصيرة.

وتوقف سمو الأمير تركي الفيصل عند العلاقة الوثيقة بين التحدييْنِ السكانيِّ والتقنيِّ، موضحًا أن النمو السكاني وتوافر العمالة شكَّلا ركيزةً أساسية لازدهار اقتصادات الخليج في منتصف القرن الماضي، غير أن تراجع الخصوبة والاتجاه نحو الشيخوخة، إلى جانب اشتداد المنافسة العالمية على العمالة المهاجرة، سيجعلان الاعتماد على الذكاء الاصطناعي والروبوتات ورفْع الإنتاجية أكثرَ أهميةً للمحافظة على النمو الاقتصادي. وأشار إلى المفارقة التي تنشأ عن هذه العلاقة؛ إذ قد تصبح التقنيةُ ضروريةً لتعويض النقص المستقبليّ في القوى العاملة، بينما يؤدي التوسع في استخدامها إلى تقليص الوظائف المتاحة حاليًّا، خصوصًا أمام الشباب والخريجين الجدد. وحَذَّرَ من احتمال مواجهة البطالة التقنية في بعض القطاعات في المرحلة الراهنة، بالتزامن مع نقص العمالة وارتفاع أعباء الإعالة في المستقبل، مؤكدًا ضرورة معالَجة التحوليْنِ ضمن رؤية واحدة لمستقبل الاقتصاد والمجتمع.

وأضاف أن التوسع في الاعتماد على الأنظمة الذكية قد يفتح ثغرات أمنية جديدة، ويزيد فرص الاختراق الاستخباريّ، إضافة إلى احتمال نشوء تبعيات إستراتيجية للخارج في القطاعات الحيوية والبنى التحتية الحساسة، وهو الأمر الذي يجعل تطوير القدرات الوطنية والخليجية في تصميم هذه الأنظمة وتشغيلها وتأمينها ضرورةً مرتبطةً بالأمن الوطني.

وفي إطار الحلول المقترحة؛ دعا سموه إلى التعامل مع برامج جودة الحياة ورعاية الأسرة والطفولة بوصفها مشروعات إستراتيجية لمواجهة التحولات السكانية، لا مجرد برامج لتحسين الأوضاع المعيشية. وأشار إلى برنامج جودة الحياة ومنصات الدعم الأسري والإسكاني في المملكة العربية السعودية، والمجلس الأعلى للأمومة والطفولة في دولة الإمارات العربية المتحدة، ومبادرات التوازن بين العمل والحياة الأسرية في دول المجلس.

ورأى أن هذه التجارب توفر أساسًا لبناء تحالُف خليجيّ للأمومة والأُبوّة والطفولة، يتولى تعزيز التعاون في معالجة العوامل الاقتصادية والاجتماعية المؤثرة في تكوين الأُسَر والإنجاب، بما يشمل تكاليف السكن ورعاية الأطفال، والتوفيق بين الالتزامات المهنية والأُسرية، إلى جانب تطوير سياسات تستجيب للاحتياجات المتزايدة لكبار السن. كما دعا إلى تعاون خليجي مشترك لرصد التحولات السكانية واستشراف آثارها، يربط بين مؤشرات الخصوبة والشيخوخة والهجرة وأسواق العمل، مع مراعاة الفروق بين المواطنين والمقيمين، مؤكدًا أن التحديات الممتدة لعقود لا يمكن مواجهتها بسياسات قصيرة الأجل، وإنما تحتاج إلى بيانات دقيقة، وتخطيط إستراتيجي، وتبادل للخبرات بين دول المجلس.

في المجال التقني، أكد سموُّه أهميةَ تعزيز التعاون الخليجي في توظيف الروبوتات والأنظمة الآلية، خصوصًا في القطاعات كثيفة العمالة أو مرتفعة الأخطار، مثل: الصناعة والبناء والخدمات والرعاية الصحية. واستعرض بعض المبادرات الخليجية، ومنها: برنامج دبي للروبوتات والأتمتة، الذي يستهدف دعم توفير 200 ألف روبوت بحلول عام 2032م، إلى جانب الاستثمارات السعودية في التقنيات المتقدمة، ومنها مشروعات نيوم وشركة «هيوماين».

وشدد على ضرورة تحديد القطاعات التي يمكن أن تُعزِّز الأتمتةُ إنتاجيتَها وتعوض نقص العمالة فيها، والقطاعات التي قد يؤدي التوسعُ التقنيُّ فيها إلى إزاحة أعداد كبيرة من العاملين. ودعا إلى ربط السياسات التقنية بسياسات التعليم والتأهيل والتوظيف، وإطلاق برامج مشتركة لإعادة تدريب القوى العاملة وتطوير المهارات المستقبلية؛ حتى لا تؤدي معالجة أزمة سكانية مرتقبة إلى نشوء أزمة اجتماعية واقتصادية جديدة.

وأكد أهمية التعاون الخليجي في البحث والتطوير، واختبار سلامة الأنظمة الذكية قبل نشرها، وبناء القدرات اللازمة لتشغيلها وصيانتها وتطويرها، بما يقلل الاعتماد على الخارج في القطاعات الحيوية.

وفي هذا السياق، دعا سموُّ الأمير تركي الفيصل إلى إنشاء مجلس خليجي موحَّد لحوكمة الذكاء الاصطناعي، يتولى وضع معايير مشتركة للأنظمة عالية الأخطار، وضبط الاستخدامات الحساسة، وحماية بيانات المواطنين، وتبادُل المعلومات المتعلقة بالثغرات والحوادث الأمنية، والتنسيق في اختبار الأنظمة المستقلة، وتطوير آليات للاستجابة المشتركة عند تعرض البنى التحتية أو الخدمات الحيوية للاختراق أو الخلل.

وأشار إلى الجهود التي تبذلها المملكة العربية السعودية في هذا المجال، ومنها مبادئ أخلاقيات الذكاء الاصطناعي والإطار الوطني لإدارة أخطاره الصادران عن الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي «سدايا»، مؤكدًا أهمية تكامُل التجارب الخليجية، وتنسيق المواقف في المحافل الدولية، بما يمنح دول المجلس صوتًا جماعيًّا في صياغة القواعد والمعايير المنظمة لهذه التقنية.

ولفت إلى أن مسؤولية ضمان الاستخدام الآمن للذكاء الاصطناعي لا تقع على الدول الخليجية وحدها، وإنما تشمل الدول والشركات الرائدة في تطويره، مشددًا على ضرورة التعاون الدولي لمنع تحول السباق التقني إلى منافسة تتجاوز حدود السلامة والسيطرة البشرية، وعلى أهمية مشاركة دول الخليج في صياغة قواعد هذا التعاون، بدلًا من الاكتفاء بتلقي نتائجه.

واختتم سمو الأمير تركي الفيصل محاضرته بتأكيد أن دول الخليج تمتلك، بفضل حكمة قياداتها وقدراتها الاقتصادية وسرعة اتخاذ القرار فيها، مقوماتٍ تُمكِّنها من الجمع بين الاستعداد المبكِّر للأخطار والاستثمار في الفرص التي تتيحها التحولات المستقبلية. وأوضح أن التنمية، كما تؤكد رؤية المملكة العربية السعودية 2030 والرؤى المماثلة في دول المجلس، تمثل حجر الزاوية في تعزيز الأمن ومواجهة الأزمات، مشددًا على أن معالجة التحديات السكانية والتقنية تتجاوز قدرة أي دولة منفردة، وتجعل التنسيق الخليجي في رسم السياسات المشتركة ضرورة إستراتيجية لضمان مستقبل أكثر أمنًا واستقرارًا وازدهارًا.

شاركنا رأيك ✍️ هل تتفق مع ما ورد في الموضوع؟ ننتظر تعليقك ورأيك بكل صراحة.. فصوتك يهمنا.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى