Uncategorized قسم مسودات فقط

زواجات الغفلة من يدفع الثمن !..

بقلم | حمدان المالكي 

أعلم جيدًا أن مقالي هذا قد لا يرضي البعض، خصوصًا من يرى نفسه ضمن الفئة التي سأتحدث عنها، لكنني اعتدت طوال أكثر من 32 عامًا في الإعلام أن يكون قلمي قريبًا من المجتمع، يلامس همومه، يتحدث عن قضاياه واحتياجاته، بعيدًا عن المجاملة أو البحث عن رضا أحد.
ولأن الكلمة أمانة، رأيت أن أتحدث بصراحة عن جانب من بعض حفلات الزواج التي خرجت عن هدفها الحقيقي، وتحولت من مناسبة للفرح وبداية حياة جديدة إلى ميدان للمباهاة والمظاهر والمنافسة الاجتماعية، يدفع ثمنها العريس وأسرته لسنوات.
عندما تتحول ليلة الفرح إلى فاتورة طويلة
في مجتمعنا تقام حفلات زواج جميلة مشرفة، يحرص أصحابها على إكرام ضيوفهم، وهذا أمر يُشكرون عليه.
لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول المناسبة إلى سباق:
من الأكثر بذخًا؟
من الأكثر حضورًا؟
من أحضر أشهر المنشدين؟
من كان زواجه أكثر فخامة؟
ومن استطاع أن يجعل الناس تتحدث عن حفله أيامًا وشهورًا؟
والأغرب أن بعض من يدخلون هذا السباق هم من أصحاب الدخل المحدود، فيتحمل الأب ما لا يطيق، وقد يستدين ويحمّل ابنه أعباء مالية ضخمة، فقط حتى يقال:
“زواج فلان كان أسطوريًا!”
لكن السؤال الذي يغيب وسط صخب تلك الليلة:
من سيدفع ثمن هذه الأسطورة بعد انتهاء التصفيق؟
ينتهي الزواج، تغادر السيارات، ينفض المدعوون، تعود القاعة إلى طبيعتها، ينتهي صوت الشيلات والمدائح…
ويبقى العريس أمام واقعه الجديد، وقد يبدأ شهر العسل وهو يفكر:
كيف سأسدد هذه الديون؟
زواجات الغفلة
بعض الآباء يتأثرون بما يرونه في حفلات الآخرين، فيظنون أن عليهم أن يفعلوا مثلهم، وربما أكثر منهم.
وهنا تبدأ المشكلة.
فالزواج في الأصل بداية حياة، وليس استعراضًا اجتماعيًا.
والمبلغ الذي يُبذر في ليلة واحدة، لو وُجّه إلى بيت العروسين، أو ساعدهما في تأسيس حياتهما، أو خُصص لسداد التزاماتهم، لكان أثره باقيًا سنوات، بدل أن ينتهي خلال ساعات.
وهناك من الآباء من يعيش ليلة الزواج وكأنه أصبح شيخًا أو شخصية تاريخية لا مثيل لها!
تأتي الشيلات، يأتي الشعراء والمنشدون، وتُقال عبارات المبالغة، ويُرسم للرجل في دقائق مجدٌ قد لا يكون له في الواقع.
ومع احترامي وتقديري للشعراء والمنشدين، إلا أن بعض عبارات المدح حين تتجاوز حدودها قد تجعل الإنسان يصدق الصورة التي رُسمت له، ويعيش وهم شخصية صنعتها الكلمات.
ليست المشكلة في المدح، إنما في المبالغة التي تجعل الوهم حقيقة في نظر صاحبه.
وقد يستيقظ البعض في اليوم التالي من الزواج، لا على صوت الشيلات، وإنما على صوت الواقع!
دعوات من أجل ماذا؟
ومن الأمور التي تستحق التوقف عندها، المبالغة في عدد المدعوين.
فالزواج في الأصل مناسبة تجمع أهل العروسين وأقاربهما وأصدقاءهما ومن تربطهم بهم علاقة حقيقية.
لكن أن تتحول الدعوات إلى وسيلة لإثبات كثرة المعارف، فيحرص البعض على دعوة أشخاص من داخل القبيلة وخارجها فقط حتى يقال:
“فلان عنده علاقات ومعارف، شوفوا كم حضر زواجه!”
ثم يأتي بعض الحضور، وتأتي عبارات المديح والثناء، وقد تكون أحيانًا أكبر بكثير من حقيقة المناسبة وصاحبها.
ويكتمل المشهد بحضور أصحاب حسابات التواصل الاجتماعي لتوثيق كل تفاصيل الحفل، وكأننا أمام حدث تاريخي سيغير مجرى الحياة!
ثم يأتي المداحون، وينثرون عبارات الثناء، فيصبح صاحب المناسبة خلال أربع وعشرين ساعة شيخًا وبطلًا وشخصية أسطورية!
مرة أخرى…
أنا لا أتحدث عن الجميع.
فهناك رجال يستحقون المدح، وهناك شخصيات لها تاريخها ومواقفها وأعمالها، ويستحق أصحابها كل تقدير واحترام.
لكنني أتحدث عن الفئة التي أصبحت ضحية لزواجات الغفلة؛ أولئك الذين دفعهم التقليد والمباهاة إلى ما لا يستطيعون تحمله، وأصبحوا بعد انتهاء ليلة الفرح أمام ديون والتزامات كان يمكن تجنبها.
الفرح الحقيقي
يا أيها الآباء…
لا تجعلوا فرحة أبنائكم تبدأ بالدين وتنتهي بالمطالبات.
ولا تجعلوا ليلة واحدة تأخذ من مستقبل العروسين سنوات.
الناس الذين حضروا زواج ابنك سيعودون إلى بيوتهم في نهاية الليلة، وسيعود كل منهم إلى حياته، بينما سيبقى ابنك وحده أمام مسؤولياته وديونه.
فكروا في اليوم التالي للحفل، وليس في عدد الذين سيصفقون لكم في ليلة الزواج.
فالزواج الناجح ليس بعدد المدعوين، ولا بفخامة القاعة، ولا بعدد السيارات، ولا بقيمة الشيلات، ولا بعدد المشاهير الذين صوروا المناسبة.
الزواج الناجح هو أن يبدأ العروسان حياتهما مطمئنين، مستورين، بعيدين عن الديون، ويجد كل منهما في الآخر السكن والمودة والرحمة.
هذه ليست دعوة لإلغاء الفرح…
بل دعوة لأن نفرح بعقل، ونكرم بلا إسراف، ونحتفل دون أن نحمل أبناءنا ثمن ليلة واحدة لسنوات.
وفي النهاية…
ليت بعضنا يسأل نفسه قبل أن يبدأ حفلة الزواج:
هل ما سأفعله اليوم سيجعل ابني سعيدًا غدًا، أم سيجعلني سعيدًا أنا الليلة فقط؟
فقد تنتهي الزغاريد في ساعات…
لكن الديون قد تبقى سنوات.
نسأل الله لنا ولكم الهداية والصلاح، وأن يرزق أبناءنا وبناتنا حياة زوجية سعيدة، وأن يبعد عن الجميع الإسراف والمباهاة، ويجعل أفراحنا عامرة بالخير والبركة.

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى