اثنان وثلاثون عامًا… ولم تكتمل العملية

✍️.. أ. شذا ابو شرارة
تعلمتُ الغوص في طفولتي، لكنني لم أستطع إكمال ما بدأته. لم أستطع أن أجعل جسدي يطفو على سطح الماء، ولم أستطع أن أتوقف عن التدخل، أو أن أكفَّ عن التفكير، فأتركه يؤدي ما خُلق له أن يؤديه.
كلما حاولتُ أن أسيطر عليه، ازداد ثِقَلًا.
لم أعرف الاسترخاء يومًا. كان جسدي أشبه بقطعةٍ من الخشب، بل أقرب إلى كتلةٍ معدنية لا تعرف إلا الهبوط. وكلما اشتدّت مقاومتي، ازداد اقترابي من القاع.
وكان سؤالٌ واحد يرافقني دائمًا:
كيف يصبح هذا الجسد خفيفًا كالريشة فوق سطح الماء؟
كنت أظن أن الجواب يكمن في مزيدٍ من السيطرة، وأن عليَّ أن أُخضع جسدي لإرادتي حتى يطفو. لكن قانون الماء كان يهمس بعكس ما كنت أؤمن به:
سلِّم نفسك… وسوف يطفو.
بدا الأمر بسيطًا، لكنه كان أصعب مما تخيلت. فالتسليم ليس حركةً يتعلمها الجسد، بل حالةٌ يتعلمها القلب.
ومضت الأعوام…
حتى بلغت الثانية والثلاثين، وما زلت عاجزةً عن الطفو. ولم يكن عجزي عن الطفو على سطح الماء وحده، بل كان عجزي الأكبر عن التسليم الكامل لله؛ أن أترك أمري بين يديه كما أترك جسدي للماء، دون خوف، ودون مقاومة، ودون وهم السيطرة.
وهناك… انكشف لي شيء.
أدركت أن الكبرياء لا يكون دائمًا في صورة التكبر على الناس، بل قد يتخفّى في صورة أخرى أكثر خفاءً؛ أن يظن الإنسان أنه قادر على إدارة كل شيء بنفسه، وأن إرادته وحدها تكفي لتغيير الواقع، وأنه يستطيع أن يحمل العالم كله على كتفيه.
لكن للحياة أمواجًا لا تُقاوَم.
وحين تصفعك تلك الأمواج مرةً بعد أخرى، لا تأتي لتكسرك، بل لتعيد ترتيبك من الداخل، ولتعلّمك أن هناك لحظاتٍ لا يكون النجاة فيها بالمقاومة، بل بالتسليم.
وعندها فقط، فهمت معنى الإسلام كما لم أفهمه من قبل.
فالاستسلام لله ليس انسحابًا من الحياة، ولا تخلّيًا عن الأخذ بالأسباب، بل هو أن تبذل ما تستطيع، ثم تُسلِّم ما لا تستطيع. أن تعمل، ثم ترضى. وأن تسعى، ثم تثق بأن ما كتبه الله لك سيأتي في أوانه، لا في أوانك.
عندها فقط…
سيطفو الجسد
وسيطمئن القلب.

