حين يصبح البحر رهينة يصبح الصمت شريكًا في الجريمة
بقلم/ ناصرمضحي الحربي
في هذا الزمن المضطرب، لم يعد البحر مجرد مساحة زرقاء تفصل بين القارات، ولا مجرد طريق تعبره السفن حاملة النفط والبضائع والحاويات.
لقد أصبح البحر مرآةً لميزان القوى، وساحةً تختبر فيها الدول قدرتها على حماية الاقتصاد العالمي قبل حماية حدودها.
وحين تهتز الممرات البحرية، لا تسمع الدول صوت الأمواج فحسب، بل تسمع ارتجاج الأسواق، وقلق المستثمرين، وتعطل سلاسل الإمداد، وارتفاع كلفة الحياة في أقصى بقاع الأرض.
فكل سفينة تُستهدف ليست مجرد هيكل من الفولاذ، بل شريان يمتد أثره إلى ملايين البشر.
ومن هنا، لم يكن الاجتماع الذي استضافته المملكة العربية السعودية حول إنشاء “التحالف البحري الدفاعي متعدد الجنسيات” مجرد لقاء عسكري عابر، بل إعلانًا عن رؤية تتجاوز ردود الأفعال إلى صناعة منظومة أمنية جديدة، قوامها الشراكة الدولية والمسؤولية المشتركة.
لقد أدركت المملكة، بحكم موقعها الجغرافي وثقلها السياسي ودورها الاقتصادي، أن حماية البحر الأحمر، ومضيق باب المندب، وخليج عدن، ليست قضية تخص دولة بعينها، بل قضية تتعلق باستقرار العالم بأسره. فهذه الممرات ليست خطوطًا على الخرائط، وإنما شرايين تتدفق عبرها التجارة والطاقة والغذاء، ويعتمد عليها الاقتصاد العالمي كل يوم.
ولهذا جاءت المبادرة السعودية بلغة مختلفة؛ لغة لا تبحث عن تحالف من أجل الحرب، بل عن تحالف يمنعها.
تحالف لا يقوم على صناعة الأزمات، وإنما على ردعها قبل أن تتحول إلى كوارث. فالفكرة الجوهرية لا تتمثل في زيادة السفن العسكرية في البحار، وإنما في زيادة مستوى التنسيق والثقة والتخطيط بين الدول التي يجمعها هدف واحد: أن يبقى البحر فضاءً آمنًا للجميع.
ولعل المشاركة الواسعة التي ضمت عشرات الدول من مختلف القارات، إلى جانب الاتحاد الأوروبي، لم تكن مجرد حضور بروتوكولي، بل رسالة واضحة بأن العالم بات ينظر إلى الأمن البحري بوصفه مسؤولية جماعية، وأن المبادرة السعودية نجحت في جمع أطراف متعددة حول طاولة واحدة لمناقشة مستقبل أحد أكثر الملفات حساسية في النظام الدولي.
وليس من قبيل المصادفة أن تتجه الأنظار إلى الرياض بوصفها الدولة المؤسسة والقائدة لهذا التحالف، وأن تستضيف مقره الرئيس.
فالدور السعودي في السنوات الأخيرة لم يعد يقتصر على إدارة الملفات الإقليمية، بل اتسع ليشمل المساهمة في بناء أطر دولية تعزز الأمن والاستقرار، مستندًا إلى سياسة تقوم على الشراكة، وتغليب الحلول المؤسسية، والعمل المشترك.
إن العالم اليوم لا يحتاج إلى مزيد من الصراعات في البحار، بل يحتاج إلى منظومات قادرة على منع الفوضى قبل وقوعها.
فكل ناقلة نفط تصل بسلام، وكل سفينة تجارية تعبر دون تهديد، تعني اقتصادًا أكثر استقرارًا، وأسواقًا أكثر اطمئنانًا، ومستقبلًا أقل اضطرابًا.
ولعل أجمل ما تحمله هذه المبادرة أنها ليست مشروعًا مغلقًا، ولا تحالفًا يقوم على الاستقطاب، بل إطارًا مفتوحًا أمام كل دولة تؤمن بأن حرية الملاحة حق دولي، وأن أمن الممرات البحرية لا ينبغي أن يبقى رهينة للتهديدات أو الابتزاز أو الفوضى.
إن البحر لا ينتمي إلى دولة واحدة، لكنه يحتاج دائمًا إلى من يحميه بحكمة، ويصون حريته بمسؤولية، ويمنع أن تتحول مياهه إلى مسرح دائم للمخاطر.
ومن هذه القناعة، تبدو المبادرة السعودية أكثر من مشروع دفاعي؛ إنها دعوة إلى بناء ثقافة جديدة في الأمن الدولي، تقوم على تقاسم المسؤولية بدلًا من تقاسم الأزمات.
وحين تختار الدول أن تتحد لحماية طريق يمر منه العالم كله، فإنها لا تدافع عن السفن وحدها، بل تدافع عن استقرار الاقتصاد، وعن مصالح الشعوب، وعن حق الإنسانية في أن تبقى البحار جسورًا للتواصل والازدهار، لا ساحاتٍ للصراع والخوف.
نشر في يوم الخميس 30 يوليو 2026
صحيفة وقع الحدث
ناصرمضحي الحربي

