كتاب الرأي

حين يصمت البيت وتتكلم النار

بقلم/ ناصرمضحي الحربي

في كل بيت حكاية، وفي كل نافذة حلم، وفي كل غرفة تفاصيل صغيرة تصنع معنى الحياة، غير أن لحظة واحدة قد تكون كافية لتبدد سنوات من الذكريات، وتحوّل دفء المنازل إلى صمت ثقيل لا يقطعه سوى الدموع.
هكذا استقبلت محافظة صامطة خبر الفاجعة التي شهدتها قرية اللقية، حيث لم يكن الحريق الذي اندلع داخل أحد المنازل مجرد حادث عابر، بل كان مأساة إنسانية تركت جرحًا عميقًا في قلوب الجميع. ففي دقائق معدودة، فقدت أسرة حياتها كما عرفتها، ورحلت أم وأطفالها الأربعة، بينما بقي الأب يصارع الموت في غرفة العناية المركزة، بعد إصابته بحروق بالغة أثناء محاولته إنقاذ أفراد أسرته.
ليست الأرقام وحدها ما يوجع في مثل هذه الحوادث، بل الوجوه التي كانت تملأ المنزل حياة، والأصوات التي كانت تتردد بين جدرانه، والأحلام الصغيرة التي كانت تكبر يومًا بعد آخر.
خمسة أرواح غادرت المكان، تاركة وراءها فراغًا لا يمكن للكلمات أن تصفه، ولا للزمن أن يمحوه بسهولة.
وتشير المعلومات الأولية إلى أن الحريق نتج عن التماس كهربائي في مقبس جهاز تكييف، قبل أن تمتد النيران بسرعة داخل المنزل، ورغم مباشرة الجهات المختصة للحادث، فإن سرعة انتشار الحريق جعلت الخسارة أكبر من أن تُحتوى، فيما لا تزال التحقيقات مستمرة لاستكمال ملابسات الواقعة وإعلان أسبابها الرسمية.
هذه الفاجعة ليست الأولى التي تطرق أبواب المنطقة، فقد أعادت إلى الأذهان مأساة النجامية التي ما زالت حاضرة في ذاكرة الأهالي، وكأن الأحزان لم تمنح القلوب وقتًا كافيًا لتلتئم، لتعود من جديد بثوب أكثر قسوة، وتترك المجتمع بأسره أمام سؤال مؤلم: كم من المآسي نحتاج حتى تتحول ثقافة الوقاية إلى سلوك يومي في كل منزل؟
إن الحرائق المنزلية لا تبدأ غالبًا بألسنة اللهب، بل قد تبدأ بتفصيل صغير يُغفل عنه الجميع؛ مقبس كهربائي، أو تمديد غير آمن، أو جهاز يحتاج إلى صيانة، وما يبدو أمرًا بسيطًا في لحظته قد يتحول إلى كارثة تُفقد الأسر أحباءها في دقائق معدودة.
ولعل أكثر ما تؤكده هذه المأساة أن الوقاية لم تعد خيارًا، بل ضرورة. فالفحص الدوري للتمديدات الكهربائية، واستخدام الأدوات المطابقة للمواصفات، وتركيب كاشفات الدخان، والالتزام باشتراطات السلامة داخل المنازل، كلها إجراءات قد تصنع الفارق بين حادث يمكن السيطرة عليه، وكارثة تترك أثرها في مجتمع بأكمله.
وفي الوقت الذي يرقد فيه رب الأسرة على سرير العناية المركزة، تتجه أكف الضراعة إلى الله بأن يمنّ عليه بالشفاء، وأن يتغمد الأم وأطفالها بواسع رحمته ومغفرته، وأن يلهم ذويهم ومحبيهم الصبر والسلوان.
تبقى بعض الأخبار مجرد عناوين تُقرأ ثم تُنسى، لكن هناك أخبارًا تتحول إلى ذاكرة جماعية، لأنها لا تتحدث عن حادثة فحسب، بل عن ألم إنساني يمس كل بيت. وفاجعة اللقية واحدة من تلك القصص التي تذكّرنا بأن الحياة قد تتغير في لحظة، وأن أعظم ما نملكه يستحق منا أن نحميه بكل وسائل الوقاية الممكنة.

رحم الله الضحايا رحمة واسعة، وشفى المصاب، وحفظ الله الجميع من كل مكروه.

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى