ميدان الحدث

التعرفة الكهربائية الجديدة.. هل تنجح في تغيير ثقافة الاستهلاك وخفض الضغط على الشبكة؟

تحقيق صحفي/ ناصرمضحي الحربي

مع إعلان هيئة تنظيم الكهرباء اعتماد نظام جديد لتعرفة استهلاك الكهرباء وفق التوقيت الزمني، يدخل قطاع الطاقة مرحلة جديدة تراهن فيها الجهات المختصة على رفع كفاءة الاستهلاك، والحد من الأحمال الكهربائية خلال ساعات الذروة، في وقت يتزايد فيه الطلب على الكهرباء، خاصة خلال فصل الصيف.
ويبدأ تطبيق النظام مطلع شهر سبتمبر المقبل، ليصبح توقيت استخدام الكهرباء عاملاً رئيسياً في تحديد قيمة الفاتورة، في تحول يرى فيه مختصون خطوة نحو إدارة أكثر كفاءة للطاقة، بينما يثير لدى المستهلكين تساؤلات حول مدى تأثيره على ميزانية الأسرة وإمكانية التكيف معه.

ثلاث فترات.. وثلاثة أسعار
يعتمد النظام الجديد على تقسيم اليوم إلى ثلاث فترات زمنية، تختلف فيها تكلفة استهلاك الكهرباء بحسب حجم الطلب على الشبكة.
وتبدأ الفترة الخضراء من الساعة الواحدة بعد منتصف الليل وحتى الخامسة وتسعٍ وخمسين دقيقة صباحاً، وتعد الأقل سعراً بواقع 10 هللات لكل كيلوواط ساعة، وهي الفترة التي تشهد عادة انخفاضاً في معدلات الاستهلاك.

أما الفترة الصفراء فتشمل الساعات من السادسة صباحاً وحتى الحادية عشرة وتسعٍ وخمسين دقيقة ظهراً، إضافة إلى الفترة المسائية من الخامسة وحتى التاسعة وتسعٍ وخمسين دقيقة ليلاً، ويبلغ سعر الكيلوواط خلالها 18 هللة.

في حين تمثل الفترة الحمراء، الممتدة من الثانية عشرة ظهراً وحتى الرابعة وتسعٍ وخمسين دقيقة عصراً، ساعات الذروة التي يرتفع فيها الطلب على الكهرباء، لتصل تكلفة الكيلوواط إلى 30 هللة.
ويهدف هذا التقسيم إلى تشجيع المستهلكين على نقل استخدام بعض الأجهزة الكهربائية إلى الأوقات الأقل ازدحاماً، بما يخفف الضغط على الشبكة الوطنية ويقلل الحاجة إلى تشغيل قدرات إنتاجية إضافية خلال ساعات الذروة.

إدارة الطلب بدلاً من زيادة الإنتاج
يرى مختصون في شؤون الطاقة أن التعرفة الزمنية أصبحت من الأدوات الحديثة التي تلجأ إليها كثير من الدول لإدارة الطلب على الكهرباء، إذ لم يعد التوسع في إنتاج الطاقة وحده هو الحل، بل أصبح ترشيد الاستهلاك وتوزيعه على مدار اليوم خياراً أكثر كفاءة وأقل تكلفة.
ويشير المختصون إلى أن تغيير سلوك المستهلك يعد الركيزة الأساسية لنجاح هذا النظام، فكلما انتقل جزء من الاستهلاك إلى الفترات منخفضة السعر، انخفض الضغط على محطات التوليد وشبكات النقل، وارتفعت كفاءة تشغيل المنظومة الكهربائية.

المواطن أمام تحدٍ جديد
في المقابل، يرى عدد من المتابعين أن نجاح النظام لن يعتمد فقط على اختلاف الأسعار، وإنما على قدرة الأسر على إعادة تنظيم نمط حياتها اليومي.
فالكثير من الأعمال المنزلية، مثل تشغيل الغسالات أو المجففات أو أجهزة غسل الصحون، يمكن تأجيلها إلى ساعات الليل أو الصباح الباكر للاستفادة من التعرفة الأقل.
لكن هناك استخدامات يصعب التحكم في توقيتها، وفي مقدمتها أجهزة التكييف التي ترتفع الحاجة إليها خلال ساعات الظهيرة، خصوصاً في المناطق التي تشهد درجات حرارة مرتفعة، وهو ما قد يحد من قدرة بعض الأسر على تقليل استهلاكها خلال الفترة الأعلى تكلفة.
كما أن طبيعة أعمال بعض الموظفين والعاملين قد لا تسمح لهم بإعادة جدولة استخدام الأجهزة المنزلية بالشكل الذي يحقق وفورات مالية ملموسة.

الوعي مفتاح النجاح
ويرى مهتمون بشؤون المستهلك أن نجاح النظام يرتبط بإطلاق حملات توعوية شاملة تشرح للمشتركين كيفية الاستفادة من التعرفة الجديدة، وتقدم إرشادات عملية تساعدهم على تقليل الاستهلاك خلال ساعات الذروة.
كما يؤكدون أهمية توفير تطبيقات ووسائل رقمية تتيح للمستهلك متابعة استهلاكه بشكل لحظي، ومعرفة تكلفة الكهرباء في كل فترة زمنية، الأمر الذي يسهم في اتخاذ قرارات أكثر وعياً بشأن تشغيل الأجهزة الكهربائية.

هل تنخفض الفاتورة؟
السؤال الأكثر تداولاً بين المواطنين هو: هل ستنخفض قيمة الفاتورة؟ الإجابة ليست واحدة للجميع، فالأمر يرتبط بنمط الاستهلاك اليومي.
فالأسر التي تستطيع تشغيل الأجهزة ذات الاستهلاك المرتفع خلال الفترة الخضراء أو الصفراء قد تحقق وفورات مالية واضحة، بينما قد لا يطرأ تغير كبير على فواتير الأسر التي يتركز استهلاكها خلال ساعات الذروة بسبب ظروف العمل أو الحاجة المستمرة إلى تشغيل أجهزة التكييف.
ويرى اقتصاديون أن النظام لا يستهدف زيادة الإيرادات بقدر ما يسعى إلى إعادة توزيع الطلب على الكهرباء، بما يحقق كفاءة أعلى في تشغيل الشبكة، ويؤجل الحاجة إلى استثمارات كبيرة في التوسع بقدرات التوليد.

تحديات التطبيق
ورغم الأهداف الإيجابية للنظام، إلا أن نجاحه يتطلب معالجة عدد من التحديات، أبرزها:
تعزيز وعي المشتركين بآلية التعرفة الجديدة، توفير عدادات وأنظمة قياس دقيقة وشفافة، تمكين المستهلك من متابعة استهلاكه بشكل لحظي، تقييم نتائج التطبيق خلال الأشهر الأولى، والاستجابة للملاحظات التي قد تظهر على أرض الواقع.
كما يرى مختصون أن المرحلة الأولى ستكون اختباراً حقيقياً لمدى استجابة المجتمع لهذا التحول، وقد تسهم نتائجها في تطوير النظام مستقبلاً بما يحقق مصلحة المستهلك ويحافظ في الوقت ذاته على استقرار الشبكة الكهربائية.

بين الاقتصاد والاستدامة
ويأتي تطبيق التعرفة الزمنية ضمن توجهات تهدف إلى تعزيز كفاءة استخدام الطاقة، وخفض الهدر، وتحقيق استدامة قطاع الكهرباء، وهي أهداف تتوافق مع التوجهات التنموية الرامية إلى الاستخدام الأمثل للموارد.
ويبقى نجاح التجربة مرهوناً بمدى تعاون المشتركين، ووضوح آليات التطبيق، واستمرار التواصل بين الجهات المنظمة والمستهلكين، بما يضمن تحقيق التوازن بين خفض الأحمال، والمحافظة على استقرار الخدمة، ومراعاة الظروف المعيشية للمواطنين.

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى