“القصيدة الشعبية وتحولاتها من الكلاسيكية إلى الحديثة”

احتضن مقهى أوبشنز بمحافظة الطائف، أمسية شعرية حوارية مميزة ضمن فعاليات مبادرة “الشريك الأدبي”، حملت عنوان “القصيدة الشعبية وتحولاتها من الكلاسيكية إلى الحديثة”، وذلك في ختام البرنامج الثقافي للموسم الحالي، وسط حضور نوعي من المثقفين والشعراء والمهتمين بالأدب الشعبي.
وأدار الحوار الثري الكاتب والشاعر خالد قماش، مستضيفاً الشاعر المبدع ردة السفياني، فيما تولت التنسيق والتنظيم الأستاذة سارة الطلحي، منسقة المبادرة.
التاريخ والجذور.. القصيدة الشعبية قبل مائتي عام
استعرض الحوار السياق التاريخي لظهور الشعر الشعبي، حيث أشار المحاوران إلى أن الشاعر بديوي الوقداني يُعد من أبرز رواد هذا اللون الأدبي، إذ ولد عام 1244هـ في وادي نخب بالطائف، ويُقدر تاريخ تسجيل الشعر الشعبي تقريباً بعام 1828م على يد الوقداني نفسه.
وناقش المتحاوران الفروقات الجوهرية بين القصيدة التقليدية (الكلاسيكية) وتلك التي تحمل لمحة حداثية، مؤكدين أن أغلب القصيد التقليدي لا تجديد فيه، بل يظل محكوماً بقالب صارم على أسلوب رواد مثل محمد الأحمد السديري، وابن لعبون، وبندر بن سرور -رحمهم الله-.
سعد بن جدلان.. تقليدي الشكل حداثي المضمون
ومن أبرز المحطات التي أثارت تفاعل الحضور، الحديث عن الشاعر الكبير سعد بن جدلان؛ إذ تم تصنيفه بوصفه شاعراً تقليدياً في الشكل، حداثياً في المضمون؛ فهو يكتب بطريقة كلاسيكية محافظة، لكن الصور الشعرية التي يقدمها حديثة ومبتكرة، وهو ما يتجلى بوضوح في قوله:
“القمر والشمس كنها تسلف منه نور
والجبال اتصير تحته خيول مسرجة
يحسب إن معه أفضلية توليه العبور
إن لقاء الملح أزعجه وإن لقاء الحلو أسمجه”
خالد قماش: كتابة العمودي بطريقة حديثة
واستعرض مدير الحوار الشاعر خالد قماش رؤيته حول كتابة الشعر العمودي بطريقة حديثة، موضحاً أن المطلوب ليس الانسلاخ عن الموروث بقدر ما هو تطويره بما يواكب الذائقة المعاصرة دون المساس بجوهر القصيدة، مشيراً إلى أن هذه القضايا سبق أن ناقشها في أمسيات سابقة ضمن فعاليات الشريك الأدبي.
الأمير بدر بن عبدالمحسن.. أيقونة الحداثة الشعرية
كما توقف الحوار عند تجربة الأمير بدر بن عبدالمحسن بن عبدالعزيز آل سعود -رحمه الله-، الذي وُصف بأنه أحد أبرز شعراء الحداثة في الجزيرة العربية، تاركاً بصمة واضحة في المشهد الشعري السعودي والعربي، تميز بأسلوبه الرقيق وشعره العذب، وأحضرت الأمسية سيرته الذاتية وأبياته التي تؤكد ريادته في التحديث، لا سيما من خلال مقدمة ديوانه “ما ينقش العصفور في تمرة العذق”.
ردة السفياني يرفض مسمى “النبطي”
وشدّد الشاعر ردة السفياني على رفضه تسمية الشعر العامي أو الفصيح بـ”النبطي”، معتبراً أن تسمية “الشعر الشعبي” هي الأكثر دقة وملاءمة لهذا اللون الأدبي العريق، موضحاً أن هذا التصنيف يعكس الهوية الأصيلة لهذا الفن، كما يبرز قيمته الفنية التي لا تقل عن مثيلتها في الشعر الفصيح.
وقال السفياني: “التجديد الحقيقي لا يعني القطيعة مع الموروث، وإنما استيعابه والبناء عليه، فكل مرحلة شعرية تستمد مشروعيتها من قدرتها على الجمع بين الأصالة والتطوير”.
وشهدت الأمسية تفاعلاً واسعاً من الحضور الذين أثروا النقاش بمداخلاتهم وأسئلتهم حول مستقبل القصيدة الشعبية، وتأثير المنصات الرقمية ووسائل التواصل الاجتماعي في تشكيل الذائقة الشعرية، وكان من أبرز المشاركين الدكتور سعد الثقفي، والدكتور محمود الثمالي، والأستاذ سلطان الخالدي، الذين قدّموا إضافات أدبية مميزة.
وفي ختام الأمسية، كُرِّمَ الشريك الأدبي تقديراً لجهوده، كما كُرِمَ ضيف الأمسية الشاعر ردة السفياني، ومدير الحوار الشاعر خالد قماش، وسط إشادة كبيرة من الحضور بالأستاذة سارة الطلحي، منسقة المبادرة، التي وُصفت بـ”المنسقة المتألقة دائماً والمميزة” لجهودها في إنجاح الفعاليات الثقافية بالمحافظة.
يُذكر أن مبادرة “الشريك الأدبي” هي إحدى مبادرات هيئة الأدب والنشر والترجمة في المملكة العربية السعودية، وتهدف إلى عقد شراكات أدبية بين الهيئة والمقاهي المهتمة بالأعمال الأدبية، للإسهام في إثراء المشهد الثقافي وتعزيز مكانة الطائف عاصمة الثقافة العربية.

