كتاب الرأي

فواصل الزمن.. حين يكبر العمر ويصغر الألم

بقلم/ ناصرمضحي الحربي

كلما تقدّم بنا العمر، لم نعد نرى الحياة كما كنا نراها في البدايات؛ لم تعد تلك اللوحة الصاخبة بالألوان البراقة، ولا تلك الأحلام الممتدة بلا حدود.
شيئًا فشيئًا، تتبدّل الزوايا، وتخفت الحدة، وتصبح الرؤية أكثر صفاءً… وربما أكثر قسوة أيضًا، عندها فقط، نُدرك حقيقة كانت غائبة خلف ضجيج الطموح: أن هذه الحياة، بكل ما فيها، لا تستحق كل هذا الألم الذي نمنحها إياه.
في بداياتنا، كنا نظن أن الخسارة نهاية، وأن الرحيل فراغ لا يُملأ، وأن الحزن حالة استثنائية يجب أن نقاومها بكل ما أوتينا من قوة.
لكن العمر، ذلك المعلم الصامت، يهمس لنا مع مرور الأيام: إن كل شيء عابر، حتى أثقل الأحزان. فكما ترحل المتاعب، تأتي غيرها، وكما تموت الضحكات، تولد أخرى، وكأن الحياة لا تعرف الثبات، بل تتقن فن التبدّل المستمر.
نتعلّم، دون أن نشعر، أن الأشخاص ليسوا دائمين، وأن الوجوه التي اعتدناها قد تغيب فجأة، وأن الذين ظنناهم جزءًا منّا، قد يصبحون ذكرى. ومع ذلك، لا تتوقف الحياة؛ تستمر في دفعنا نحو لقاءات جديدة، ووجوه أخرى، وتجارب لم نخطط لها. هنا، يتسلل إلى داخلنا يقين غريب: لسنا نحن من نملك الحياة، بل هي التي تعبر بنا، مرحلةً بعد أخرى، دون أن تنتظر استعدادنا.
ومع هذا الإدراك، يتغير ميزان الألم، لم نعد نُحمّل الأشياء أكثر مما تحتمل، ولم نعد نتشبث بما يرحل، لأننا أدركنا أن الرحيل جزء من نظام هذا الكون.
نخفف من وطأة التوقعات، ونُصالح فكرة الخسارة، ونُدرك أن ما يؤلمنا ليس الحدث ذاته، بل مقاومتنا له، العمر لا يُعلّمنا القسوة كما يُشاع، بل يُعلّمنا الاقتصاد في المشاعر؛ أن نمنح دون إفراط، وأن نحزن دون أن ننكسر، وأن نفرح دون أن نُعلّق أرواحنا بتلك اللحظة العابرة.
نُدرك أن الضحكة، مهما كانت صادقة، ليست أبدية، وأن الحزن، مهما كان عميقًا، ليس خالدًا. كلاهما زائر، وكلاهما راحل، وعندما نصل إلى هذه المرحلة من الوعي، لا تصبح الحياة أقل قيمة، بل أكثر خفّة. نُقبل عليها بقلوب أقل ازدحامًا، ونعيشها بوعي أن كل ما فيها مؤقت، لا نُرهق أنفسنا في صراعات لا تنتهي، ولا نُبدد أعمارنا في محاولة السيطرة على ما لا يُسيطر عليه.
إنها ببساطة… حياة تمرّ بنا كما تمرّ الرياح، تترك أثرًا هنا، وتقتلع شيئًا هناك، ثم تمضي نعيشها، نُخطئ فيها، نتعلّم منها، ونُودّعها في النهاية كما ودّعنا كثيرًا من الأشياء قبلها.
وحين نُدرك ذلك بعمق، نكفّ عن تحميلها ما لا تحتمل، ونتصالح مع حقيقتها البسيطة: أنها ليست معركة يجب أن نربحها، بل تجربة يجب أن نعبرها.
كلما زاد العمر… خفّ التعلّق، وازداد الفهم، واتّسعت المسافة بيننا وبين الألم ،ليس لأن الحياة أصبحت أرحم، بل لأننا أصبحنا أكثر قدرة على رؤيتها كما هي… دون مبالغة، ودون خوف، ودون انكسار.
وبعد كل هذا العمر، نفهم الحقيقة التي تأخّرنا كثيرًا في إدراكها: أن الحياة لا تستحق كل هذا الألم ، لا تستحق أن نُحمّلها فوق طاقتها، ولا أن نُحمّل أنفسنا فوق قدرتنا،كل ما تستحقه هو أن نعيشها ببساطة، أن نُسامح أكثر، أن نغضب أقل، أن نحب بصدق، وأن نترك الأشياء تمضي حين يحين وقتها.
إنها الحياة… تأتي وتذهب، تُعطي وتمنع، تُضحك وتُبكي، لكنها في النهاية تمضي، وما نحن إلا عابرو طريق، نحمل قلوبنا بين أيدينا، ونحاول أن نصل إلى آخر الرحلة بأقل قدر من الندوب، وأكثر قدر من السلام.

 

نشرفي 1447/10/18
صحيفة وقع الحدث / ناصرمضحي الحربي

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى