كتاب الرأي

لا تتعجل الحكم.. فقد تجهل العذر..

بقلم : عبدالعزيز المتعاني

ما أكثر الأحكام التي نصدرها على الآخرين دون أن نعرف حقيقة ظروفهم! وما أسرعنا أحيانًا إلى تفسير المواقف وفق ما تمليه علينا ظنوننا، فنسيء إلى أشخاص لم يرتكبوا في حقنا خطأ، سوى أننا لم نمنحهم فرصة لتوضيح الحقيقة.
وليس سوء الظن مجرد خطأ عابر في تقدير المواقف، بل قد يبلغ حد الإثم الذي حذّر الله منه، فقد قال سبحانه وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾
ومن المواقف التي تستحق التأمل قصة رواها لي أحد الزملاء، يقول فيها:
طلبت من أحد زملائي مساعدتي في أمر أحتاج إليه، فرحّب بطلبي وقال: «أبشر»، فاطمأننت إلى وعده.
وبعد نحو ساعتين حاولت الاتصال به، فلم يجب، وكررت الاتصال مرات عدة دون رد. وهنا بدأت الظنون تتسلل إلى نفسي، وفسرت صمته على أنه تجاهل لطلبي وتنصل من وعده.
يقول: لم أتمالك نفسي، فكتبت له رسالة قاسية قلت فيها: «أنا الغلطان اللي طلبت منك الفزعة، وأنت أصلًا ما ينشد بك الظهر»، وأتبعتها بعبارات جارحة، ثم أرسلتها وأنا أظن أنني صاحب الحق.
وبعد يومين علمت أنه كان قد تعرض، في الوقت الذي حاولت فيه الاتصال به، لظرف قاهر منعه من الرد على اتصالاتي، بل حتى من إرسال رسالة يوضح فيها ما حدث له.
يقول: حين علمت بما حدث، شعرت بندم شديد، وأخذت أعاتب نفسي: لماذا استعجلت؟ ولماذا أسأت الظن؟ وماذا كنت سأخسر لو انتظرت حتى تتضح الحقيقة؟
ولكن الأشد وقعًا على نفسي كان رده حين قال: «الله يسامحك، لقد أسأت الظن فيّ».
عندها أدركت أن الكلمات التي كتبتها في لحظة غضب لم تكن مجرد رسالة عابرة، بل كانت جرحًا أصبت به إنسانًا أحسن استقبال طلبي، لكن ظروفه حالت دون مساعدتي.
لقد أدنت زميلي في غيابه، وجعلت من ظنوني دليلًا عليه، ثم اكتشفت أنني أنا من يستحق العتاب.
وهنا يبرز سؤال يستحق أن نطرحه على أنفسنا:
كم من علاقة أفسدها سوء الظن؟ وكم من صديق خسرناه بسبب تفسير خاطئ؟ وكم من كلمة جارحة قلناها، ثم اكتشفنا أن صاحبها كان أحوج ما يكون إلى دعائنا لا إلى عتابنا؟
إننا لا نعرف ما يمر به الآخرون خلف الأبواب المغلقة، ولا ما تخفيه حياتهم من ظروف وهموم. فقد يكون من لم يرد على اتصالك يمر بظرف طارئ، ومن تأخر عنك منشغلًا بأمر لا يحتمل التأجيل، ومن غاب عنك في أمسّ الحاجة إلى من يسأل عنه.
وليس المطلوب أن نتجاهل الأخطاء الواضحة أو نلتمس الأعذار بلا حدود، وإنما أن نتثبت قبل الحكم، وأن نفرق بين الحقيقة وما نتوهم أنه حقيقة، وألا نجعل من ظنوننا سببًا في ظلم الآخرين أو جرح مشاعرهم.
وختامًا..
قد تعتذر بعد أن تتضح الحقيقة، وقد يسامحك من أسأت إليه، لكن بعض الكلمات تترك في القلوب أثرًا لا تمحوه الاعتذارات بسهولة.
فتأنَّ قبل أن تحكم، وتثبت قبل أن تعاتب، والتمس العذر قبل أن تسيء الظن؛ فربما كان من ظننته مقصرًا في حقك يمر بظرف لو علمت به، لبادرت إلى مواساته بدلًا من لومه.
وتذكر دائمًا.. أن غياب العذر عن علمك، لا يعني غيابه عن واقع صاحبه.

شاركنا رأيك ✍️ هل تتفق مع ما ورد في الموضوع؟ ننتظر تعليقك ورأيك بكل صراحة.. فصوتك يهمنا.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى