ماذا يحدث داخل الطفل عندما نعلّمه أن الخطأ شيء يجب أن يخاف منه؟

أ-عهود العوني
مدربة مختصة في مجال الطفولة
قد لا ننتبه لذلك في اللحظة التي نرفع فيها أصواتنا، أو نكرر على مسامعه: «لا تخطئ»، أو نقول له بعد كل محاولة لم تنجح: «ألم أقل لك؟».
نحن نعتقد أننا نعلّمه
نعتقد أننا نعدّه للحياة، ونحميه من الفشل، ونريده أكثر انضباطًا وحرصًا
لكن الطفل قد يسمع رسالة مختلفة تمامًا:
«إذا أخطأت، سأخسر رضا من أحب.»
وهنا تبدأ المشكلة..!
فالطفل في سنواته الأولى لا يفصل بسهولة بين خطئه وبين قيمته
إذا أخطأ كثيرًا، قد لا يفكر: «أنا أخطأت».
بل قد يبدأ تدريجيًا في الشعور:
«أنا لا أجيد.»
«أنا أقل من غيري.»
«الأفضل ألا أحاول.»
ومع تكرار التجربة قد يتحول الخوف من الخطأ إلى خوف من المحاولة نفسها
طفل يعرف الإجابة لكنه لا يرفع يده.
طفلة تستطيع الرسم، لكنها تمسح رسمتها لأنها لم تكن «مثالية»
طفل يتردد قبل أن يجرب لعبة جديدة، لأنه لا يريد أن يفشل أمام الآخرين
وطفل آخر قد يخفي نتيجته الدراسية، لا لأنه لا يهتم، وإنما لأنه يخاف من ردة الفعل أكثر من خوفه من الدرجة نفسها
وهنا علينا أن نتوقف قليلًا
هل نحن نربي أطفالًا يتعلمون من أخطائهم؟
أم نربي أطفالًا يتعلمون كيف يخفون أخطاءهم؟
فالفرق بين الاثنين كبير جداً
الخطأ ليس المشكلة… الطريقة التي نتعامل بها معه هي التي تصنع أثره.
عندما يخطئ الطفل، فهو أمام فرصة ثمينة ليتعلم المسؤولية.
يمكننا أن نقول:
«اللي صار خطأ، كيف نقدر نصلحه؟»
فيتعلم أن الخطأ له نتيجة، وأن بإمكانه تحمل مسؤوليته وإصلاحه.
لكن عندما نربط الخطأ بالصراخ، أو الإهانة، أو المقارنة، أو التهديد، فقد يتعلم الطفل شيئًا آخر:
«المهم ألا يُكتشف خطئي.»
ومن هنا قد يبدأ الكذب، أو الإنكار، أو إلقاء اللوم على الآخرين.
ليس دائمًا لأن الطفل يريد الخداع، وإنما لأنه يبحث عن الأمان.
وهذا لا يعني أن نبرر السلوك الخاطئ أو نتنازل عن الحدود.
على العكس.
الطفل يحتاج إلى حدود واضحة، لكنه يحتاج أيضًا إلى أمان واضح.
نقول له:
«أنا غاضبة من التصرف، لكنني لن أهينك.»
«ما فعلته غير صحيح، وسنصلحه.»
«يمكنك أن تخطئ، لكن لا يمكنك أن تؤذي نفسك أو غيرك.»
بهذه الطريقة نعلّم الطفل أن هناك فرقًا بين:
رفض السلوك… ورفض الطفل.
وهذه من أهم الرسائل التي يحتاجها الطفل في بناء صورته عن نفسه.
ماذا نريد من أطفالنا عندما يكبرون؟
هل نريد طفلًا يخاف من الإجابة حتى لا يخطئ؟
أم نريد طفلًا لديه الشجاعة ليقول: «لا أعرف، علّمني»؟
هل نريد طفلًا يخفي فشله؟
أم طفلًا يستطيع أن يقول: «لم أنجح هذه المرة، وسأجرب بطريقة أخرى»؟
هل نريد طفلًا يسعى للكمال خوفًا من النقد؟
أم طفلًا يعرف أن الإنسان يمكن أن يكون جيدًا، ومحبوبًا، وقادرًا… وفي الوقت نفسه يخطئ؟
التربية ليست صناعة طفل لا يخطئ.
التربية صناعة إنسان يعرف ماذا يفعل عندما يخطئ.
وهنا تكمن المساحة الجميلة بين الحزم والاحتواء.
لا نحتاج أن نرفع سقف الخوف حتى يتعلم الطفل.
ولا نحتاج أن نزيل كل الحدود حتى يشعر بالأمان.
نحتاج أن نمنحه شيئًا أكثر توازنًا:
حدودًا تحميه، وأمانًا يسمح له بالتعلم.
لأن الطفل الذي يشعر أن الخطأ نهاية الطريق، سيتوقف عند أول عثرة.
أما الطفل الذي يعرف أن الخطأ محطة من محطات التعلم، فسيتعثر… ثم ينظر إلى الطريق ويكمل.
وربما أجمل ما يمكن أن يسمعه طفلنا بعد خطأ ارتكبه ليس:
«كم مرة قلت لك؟»
بل:
«أخطأت، نعم… لكن الخطأ لا يعني أنك لا تستطيع. تعال نفكر معًا: ماذا تعلمنا هذه المرة؟»
فالكلمات التي نقولها في لحظة خطأ عابرة، قد تتحول مع السنوات إلى صوت داخلي يعيش مع الطفل طويلًا.
فلنحرص أن يكون هذا الصوت عندما يكبر:
«أنا أستطيع أن أحاول.»
لا:
«أنا أخاف أن أخطئ.»
لأن الطفل لا يحتاج طفولة خالية من الأخطاء…
بل يحتاج طفولة آمنة بما يكفي ليخطئ، ويتعلم، ويعتذر، ويصلح، ويحاول من جديد.



