عتمة تبيع ضوءًا

عادل النعمي ـ قاص وكاتب
لم يكن البيت شيئًا واحدًا!
كان أشياء: هواء قديم، وورق جدران يخبّئ عيونًا باهتة، ودرجًا يشبه سُلما إلى داخل الرأس.
في الصباح الذي تهاوت فيه الأم، انكسر الضوء على الأرض كما تنكسر جملة قبل أن تكتمل… لم يمت شيء مرةً واحدة؛ كل شيء كان يموت على دفعات، في غرف مختلفة، وبأشكال مختلفة.
في الغرفة الشرقية، وقف الابن الأكبر أمام الخزانة المفتوح،. كان يعرف ترتيب العطور حتى بعد أن غاب أثرها عن الزجاج، العطر رقم ثلاثة من الرف الثاني لم يعد هناك منذ سنوات، لكنه كان ما يزال يملأ أنفه؛ لأن الحنين، كأيّ سرد، يستدعي ما يريده لا ما كان.
كان يرى في سقوط الأم فاتورة متأخرة: كل قرار أجله، كل وعد قطعه كخيط لا يعرف عقدته، لم يكن يفكر في موتها، بل في نفسه، وهو يحاول أن يضع الحياة على الرف الصحيح.
العدالة عنده جدول حسابي؛ ولذلك بدا الحدث نقصًا في عمود الموجودات، لا فجوة في قلبه.
الأخت الوسطى التقطت المرآة الصغيرة من جوار السرير… المرآة لم تعكس وجهها؛ أعادت إليها أصواتًا قديمة… كلما حاولت أن تتذكر وجه الأم في الصباح، جاءتها رائحة القدّاحة، وقطعة سكر ذابت في الشاي، وصوت مفاتيح تتزاحم كأصابع تتوه في جيب غائر.
لم تملك جملة كاملة، كانت تعيش شظايا؛ لأن الذاكرة عندها لا تسرد، بل تقطر… الموت لم يكن حدثًا، بل قطرة عطر سقطت على حافة فستان قديم ولم تجفّ حتى الآن.
الأصغر جلس على الدرج، لم يفهم من أين يبدأ الحزن! عنده كانت الجملة تأتي معكوسة؛ يبدأ بالنهاية ثم يعود إلى العتبة ثم إلى الحوش ثم إلى صرخة انطفأت قبل أن تصل.
رأى حذاء الأم في المكان نفسه، وانزعج لأن عقدة رباط واحدة كانت معقودة على عكس عادتها.
الحقيقة عنده هي تفاصيل تُخطئ انتظامها؛ لذلك ظنّ أن الموت خلل في ترتيب الرباط، لا في انتظام القلب.
في المطبخ، الأب فتح الصنبور حتى آخره… الماء يعلن عن نفسه حين يسقط على المعدن، لكنه يختفي حين يجري مستقيمًا.
كان يريد صوت السقوط كي يُغرق فكرة واحدة: أنه تأخر… لم يكن يعرف لأيّ شيء تأخر تحديدًا؛ للكلمة التي كان عليه أن يقولها قبل عشرين عامًا؟ أم للغضب الذي كان ينبغي أن يضبطه حين انكسر طبق رخيص؟
الموت عنده انتقامٌ من بخل التعبير… ظنّ أن الماء، إذا علا صوته، سيغطي على صرير أبواب قفلها منذ زمن ولم يجد مفاتيحها.
في غرفة الضيوف، الجدّ أمسك بمسبحته، وأخذ يمرر خرزاتها كما لو كان ينتزع من كل خرزة قصة لا يجرؤ أحد غيره على روايتها.
عنده لا أحد يموت؛ هو وحده يعرف أن الأم لم تسقط فجأة، بل كانت تهبط مثل ظل يراوح بين غرفتين.
كل موت عنده استكمال لتعب أقدم… لذلك رأى المشهد كجدار بُني على مراحل؛ حجَر من الخوف، حجَر من الصبر، حجَر من صمتٍ زائد، حتى ارتفعت الحجارة فوق الرأس وانطفأ الضوء.
من خلف الباب، الجارة سمعت الهمس: الهمس لا يروي شيئًا، لكنه يربّي الشك… عندها كل البيوت متشابهة؛ الفقد حصة يومية، والبكاء طقسٌ بلا تاريخ. فكرت في صينية ينبغي أن تحضر، وفي كلمة عظم الله أجركم التي قالتها مئة مرة حتى صارت جملة بلا جلد.
الحقيقة عندها عادة تتكرر… لذلك مر الموت مثل موعد متوقع، بلا حدة كافية ليرتب بيتًا أو يعيد ساعةً إلى الصفر.
كانت الأم في مكانٍ لا يسمى… جسدها في الغرفة، لكن ظلّها كان يتجوّل في أماكن لم تعد تُرى.
لم تترك وصية، تركت رائحة صابون في منشفة قديمة، وشقًّا في حافة طاولة من مراتٍ كثيرةٍ وضعت فيها صحناً ساخنًا وهي مستعجلة.
تركت في حاشية كتاب طبخة علامةً بقلم رصاص: قللي الملح… العلامة لم تكن تعليمات مطبخ؛ كانت اقتراحًا متأخرًا للحياة: خففي، خففي قليلاً… لم يقرأها أحد في وقتها، لا أحد يقرأ الحواشي وهو يظن أن المتن يكفي.
في المساء، زار البيت رجلٌ لا ينتمي… جلس في زاوية لا تلفت! لم يتكلم، بعض البيوت تسمح للغرباء أن يصغوا نيابةً عن أهلها.
كان ينظر إلى السقف، إلى الشرخ الرفيع الممتدّ من المروحة إلى الزاوية، الشرخ لا يقول ما حدث، لكنه يدل على أين مر الثقل.
مرت القصص كلها من هناك: حين بحث الأب عن عمل في مدينة أخرى ولم يجد، حين باعت الأخت خاتم خطوبتها لتسد قسط المدرسة، حين وضع الأصغر رأسه على ركبتي الأم ونام قبل الامتحان وهو يرتجف.
الشرخ كان سيرة البيت بغير كلمات.
حين حل الليل، لم تتفق الأصوات… لم يتفقوا على توقيت السقوط، ولا على الكلمة الأخيرة، ولا على من كان في الغرفة الأولى ومن بقي في الرواق.
كل قدم روايته وهو يظن أنه يقرب الحقيقة، بينما كان يجرّها نحو مرآته… الموت تفتت في أفواههم كما يتفتّت الحجر في الماء: لا يذوب، لكنه يتغيّر شكله.
لم يتبدل الحدث نفسه، الذي حدث مرّة واحدة، بل تبدّل وعيهم بحدوثه، فصار حدثًا بعدد الذين رأوه.
الساعات التي تلت لم تُحص شيئًا… لم يكن في البيت راوٍ عليم يوزّع الأدوار! كانت هناك فقط فواصل، وسعالٌ من غرفة مغلقة، وصوت كوب وُضع برفقٍ مبالغٍ فيه على الطاولة، كأن الصوت نفسه قد يتحمّل مسؤولية إضافية.
كان كل واحد يفتش عن جملته في الحنجرة ولا يجدها… اللغة تخلّت عنهم في اللحظة التي احتاجوها فيها؛ لذلك قالوا ما لا يلزم، وسكتوا عن ما يلزم، وتركت الحقيقة لهم فتاتها.
قبل الفجر بقليل، فتحت الأخت النافذة… الهواء البارد دخل ببطءٍ يشبه صفحةً تقلَب دون أن تُقرأ.
في الشارع، قط أسود قفز من فوق الحاجز واختفى… فكرت أن العالم لا يتوقف، وأن البيوت الأخرى الآن تستيقظ لمواعيدها: صلاة، حليب يغلي، طفل يبكي. شعرت بالخفة للحظة وكرهت نفسها لأنها شعرت بها.
عند الوضوء، سقطت قطرةٌ من الماء على بقعة قديمة من السجّاد، فأحْيت خيطًا باهتًا من اللون.
الماء لم يُنق شيئًا، لكنه كشف طبقةً كانت نائمة… كذلك تفعل الأفعال العفوية: تُبلّل الخيط حتى ينهض اللون الذي ظننّاه مات، لا تُعطي حقيقة كاملة، بل تعيد توزيع الضوء كي نرى شكل الشرخ، لا كي نسده.
في اليوم الثالث، جاء المصوّر… قالوا له: نريد صورةً أخيرة! لكنه لم يلتقط وجهًا! وضع الكاميرا على الأرض، وصور الظلال عند حافة السرير، والمسافة بين الحذاءين، وفتات خبز لم يُلم.
كانت الصور كلّها حواش: الهامش الذي لا يلتفت إليه أحد حين يكون المتن قويًا بما يكفي ليخدع العين.
لاحقًا، حين نظروا في الصور، تذكر كل شيئًا لم يتذكره الآخر… لم يتفقوا، لكنهم هدأوا قليلًا… لأن الحقيقة، حين ترى في صور متعارضة، تتوزع عدلًا بين الشهود.
حين خرجوا جميعًا إلى الفناء، كانت السماء خفيفة… قال واحد منهم في نفسه: لقد ماتت… وقال آخر: لقد خرجت من الغرفة فقط، لا فرق كبيرًا بين الجملتين إلا في الوزن الذي يضعه القائل على كلمة واحدة.
اللغة، مثل البيت، لا تسع كل شيء مرة واحدة… لذلك اختار كلٌ منهم كلمة ونام تحتها.
بعد سنوات، سيحكي كل منهم اليوم نفسه بطريقته… سيضع الأكبر الأرقام في أماكنها ويغلق الدفتر؛ ستلمس الأخت المرآة وتسكتها… سيجلس الأصغر على درج جديد وينظر إلى رباط آخر معقود على غير عادته، سيطفئ الأب صنبورا في بيت ليس له، سيحصي الجد خرزا أقل، وستمر الجارة من أمام باب لا يفتح، وسيكون الرجل الغريب قد نسي الوجوه وتذكر الشرخ فقط.

