الثقافة والفنون

العرش الرمادي

عادل النعمي (كاتب وناقد)

لم يكن مكتب هيفاء مساحة عادية تقاس بوظيفتها، بل بدا كامتداد مترف لشيء أكثر غموضا… كأن المكان لا يستقبل الزائرات بقدر ما يعيد ترتيب ما في داخلهن… السجاد الحريري بلون العاج كان يبتلع الخطى، لا ليخفيها فحسب، بل ليجعلها أخف، أقل يقينا، فيما الكراسي الوثيرة بلون الورد الجاف تحيط بالجالسات كعناق لا يطلب له تفسير.

فوق الطاولة الرخامية، كانت مزهرية الكريستال تحتفظ بزهور اللافندر والأوركيد الأبيض في لحظة اكتمالها الحاد، كأنها تذكير صامت بأن الذروة ليست دائما بداية، بل أحيانا حافة خفية لشيء آخر.

على الجدران، لم تكن اللوحات التجريدية مجرد زينة، بل شذرات شعور معلقة: خطوط سوداء تنساب فوق درجات البيج، توحي بانكسارات جرى تهذيبها حتى بدت كاختيارات أنيقة.

أما عبير البخور، فكان يتسلل من حيث لا يرى، عنبر يلامس مسكا أبيض، ينساب في الفراغ بنعومة لا تخلو من مكر خفي، كأن المكان لا يكتفي بأن يكون مرئيا… بل يهمس في الداخل، ببطء، حتى تبدو الأفكار وكأنها وُلدت من ذاتها، لا مما أودع فيها.

خلف المكتب، جلست هيفاء كما لو أنها تعرف موقعها جيدا، لا تعلنه ولا تخفيه؛ بفستان رمادي يشبه غيمة مستقرة، وعطر يمر خفيفا دون أن يترك اسما، وشعر مرفوع برقة مشدودة بحزم غير مرئي.

دفتر ملاحظاتها جلدي بلون خمري، موضوع بعناية لا تقبل المصادفة، وقلم لامع يستقر إلى جواره كأداة لا تخطئ موضعها، فيما هاتفها يظل صامتا على نحو يوحي بأن ما يقال هنا لا يحتاج إلى شاهد.

في هذا المكان، لا يرتفع صوت بقدر ما يترتب من الداخل؛ المرأة التي تدخل مثقلة بشيء غير محدد، تتعلم، بهدوء محسوب، كيف تعيد وضع يدها على المقبض… وكيف تغلق الباب، لا بوصفه نهاية، بل كخيار يبدو، للمرة الأولى، وكأنه يخصها.

كل شيء كان محسوبا بدقة، من مقبض الباب المخملي إلى ضوء الأباجورة الذي ينكسر كهمس خافت على الحواف. 

تدخل الزائرات بخطى مترددة، كما لو أن المكان يعدهن بشيء يشبه التعافي، أو على الأقل بصيغة أكثر احتمالا للألم.

غير أن ما يجري هنا لا يعلن نفسه بهذه البساطة؛ فالمشهد كله يبدو أقرب إلى ترتيب هادئ لنهايات لا تصدر ضجيجا… خلف ذلك الهدوء المتقن، كانت هيفاء تراقب اكتمال اللحظة، لا كمن يصطاد، بل كمن يعرف متى يترك الخيط يفلت قليلا… ثم لا يعود.

التي تجلس أمامها تظن أنها جاءت لترميم ما تصدع، دون أن تدرك أن اللمسة اللطيفة، حين تأتي في توقيتها الدقيق، لا تعيد الأشياء إلى ما كانت عليه، بل تقودها، بنعومة لا تقاوم، إلى أن تختار شكلها الأخير… وكأن القرار لم يكن إلا امتدادا طبيعيا لما تشعر به.

تتذكر هيفاء كيف كانت زوجة عاشقة… وفي مساء شاحب، كانت تظن أنها أخيرًا تنتمي إلى صدر تُسند عليه رأسها دون حذر. في ذلك البيت الذي بنته حجرًا حجرًا، مع زوجها زياد الذي كانت تراه ـ الظل والملجأ ـ الرجل الذي يملأ الغرفة بثقته، وصوته حين يناديها يُعيد ترتيبها من الداخل.

أحبّته كما تحب الأرض المطر الأول، بتوق لا يُعترف به، وبرغبة في البقاء، وإن لم يُثمر شيء.

وفي تلك الليلة، عاد زياد إلى البيت، نفس وسامته التي تربك النساء، نفس ربطة عنقه المتقنة، ونظراته التي لا تسأل الإذن، جلس… خلع ساعته… ثم قال بهدوء كأنه يروي خبرًا عاديًا من نشرة الغروب:

ــ تزوجت… وأسكنتها معنا في الدور العلوي.

كلمة (العُلوي) اخترقت قلبها كما يخترق الماء قماشًا مبللًا، لم تصرخ، لم تبكِ، لم تسقط كوب الشاي كما تفعل النساء في الروايات، بل ابتلعت شهقتها كأنها تبتلع نصلًا مبلولًا، وامتزجت دماؤها بقهوةٍ باردة شربتها على مهل.

فكرت داخل نفسها ـ وهي تبلع شفتاها وزوجها ينتظر منها الرد: امرأة أخرى… على ذات السقف… تضحك، وربما تركض على البلاط الجديد الذي اختارته هي ذات صباح.

تركها زياد دون أن يسمع جوابها وصعد… صعد زياد إلى تلك المرأة، وبقيت هي في الطابق السفلي، حيث لا أحد يسمع أنين الأرواح، لكنها لم تغادر، ولم تلوّح بيد غاضبة، لأنها لم تكن مجرد امرأة جريحة، بل كانت امرأة تعرف ثمن البقاء… وثمن الرحيل.

كانت تحبه، نعم، لكنها كانت تعرف أيضًا أن زياد لا يُعاد تصنيعه، رجل لا يتكرر، غني، ووسيم، وصاحب اسم لا يُنسى على بطاقات الدعوة، والنساء مثلها، إن رحلن عن رجال مثله، فإن القادم إما باهت، أو مُتعب، أو ولا يليق بمقامها ومركزها الاجتماعي!

فكّرت: “لن أتركه لامرأة تصعد فوقي… وتظن أنها انتصرت”. أمسكت برتقالة، وبدأت تقشّرها بهدوء.

لم ينكسر قلبها تلك الليلة، بل انسحب، انسلخ، تمزق، تشظى بهدوء لا يُسمع، كجرح يقرر ألا ينزف… حتى لا يعطي خصمه نشوة الانتصار.

مرت السنوات وتحولت هيفاء إلى مستشارة، تعلم النساء كيف يدافعن، كيف ينسين، كيف يقطعن الاتصال، لكن العمل لا ينتهي بجلسة، بل يبدأ بعدها.

 في الليل، تفتح هاتفها، تزور حسابات نساء سبق أن قابلتهن، تبحث عن علامات التحرر: في النساء التي تصنع لهم جلسات نص وارشاد هي تبحث عن جملة “أعيش لنفسي” أو تحديث الحالة من “متزوجة” إلى “عزباء” حين تجدها تبتسم ابتسامة انتقام أنيقة وتدون في دفترها: تم التحرير، حالة نفسية متوازنة، لا نية للعودة.

كل صباح تنتظر ضحية جديدة…

دخلت ـ ضحية جديدة ـ الآن الجلسة الخامسة السيدة رُبى… في هذا المكتب تسير بخطى مترددة… هناك صمت دافئ كان كعب حذائها البلاستيكي بلون الكريستال اللامع يصدر صوتًا مضطربًا على الأرضية، كأنّه يحاول أن يثبت أناقته في مكانٍ لا يعترف بها.

فستانها الوردي المائل للخوخي، بدا كأنه من مرحلة عُمرية لا تُشبهها الآن… كأنها اختارت أن تلبس الماضي، لا الحاضر.

شالٌ شفاف من الشيفون ينزلق من كتفها الأيسر باستمرار، وفراشة صغيرة مثبتة في شعرها بأسنان مشبك مكسورة من جهة، بينما لون أحمر شفاهها الفاتح يكاد يذوب على بشرتها… كما تذوب الأحلام الطفولية حين تُسلَّط عليها الحقيقة.

عطرها زهري رخيص، يشبه معطر جوّ منزلي يزول في لحظات، وحقيبتها المتدلية من مرفقها تتخبط وهي تمشي، كأنها تجر خلفها فوضى لم تُرتبها منذ أن أصبحت زوجة.

بأكمام قصيرة في يوم شتوي، وسوار بلاستيكي يهتزّ كلما حرّكت يدها، دخلت رُبى لا كامرأة، بل كأنها (فكرة فتاة) لم تعرف بعد أن الأنوثة تنضج… أو تُدفن.

رفعت هيفاء عينيها نحوها بهدوء ناعم، لم تنهض، بل مدّت يدها وأشارت نحو الكنبة الحريرية بلطف محسوب:

ــ اجلسي، خذي نفسًا عميقًا، 

همست داخل نفسها “لا شيء يُلزمك الآن بالانهيار” قامت، بخفة، وسارت نحو ماكينة القهوة، حركت السكر ، ثم صبت القهوة بنفسها في فنجان أبيض نحيل تحيطه زخرفة ذهبية، لم تطلب من المساعدة أن تفعل، ولم تُبدِ أي امتعاض من فعلٍ بسيط، بل كأنّ صب القهوة بيدها… هو طقس شخصي تفعله حين تشمّ رائحة الضعف.

وضعت الفنجان أمام رُبى، وجلست في هدوء، ساقاها التُفّتا بدقة، كأنّهما لم تُخلّا بتوازنهما يومًا.

في تلك اللحظة، نظرت رُبى إليها كمن ينظر إلى حياة غير مرئية.

فكرت: كم تمنيت أن أكون مثلها… أن أجلس بفستان رمادي راقٍ، لا يصرخ بالألوان، أن يكون شعري مرفوعًا دون فوضى، أن أطلب الطلاق ولا ينهار شيء من حولي… أن أصنع القهوة لنفسي، لا لغيري، أن أعيش دون مبرر دائم… أن أكون هيفاء…

عادت إلى عالمها الواقعي، وشهقت بصوت مبحوح:

ــ أنا لا أريد الطلاق يا دكتورة… رغم كل ما فعله… ما زلت أحبه.

هيفاء لم تحرك ساكنًا، قلبها غرفة عمليات، قالت ببطء

ـ تحبينه؟ أم تحبين فكرتك عنه؟

 سكتت رُبى، كأن السؤال سمّ فتح نافذة في رأسها، همست: 

ـ هو تغيّر لكنه طيب، ربما أهملته.

ضحكت هيفاء ضحكة صغيرة:

ـ تدافعين عنه كالطفل الذي يضرب ويعتذر للكرسي.

أمالت جسدها للأمام وهمست: 

ـ هل تبقين على لحم فاسد، لأنك تتذكرين طعمه حين كان طازجًا؟

عضّت رُبى شفتيها تذوق المر، الذي ظنت أنه عسل قديم، سألتها:

ـ ماذا لو ندمت بعد الطلاق؟ 

قالت هيفاء بهدوء وهي قد مهدت لهذه الأفكار من أول جلسة وهذه الجلسة الخامسة التي تحتاج فيها هذه الدفعة لتتبنى ما تقوله:

ـ الوجع الحقيقي ليس منأن تتشبثي بعلاقة قد انتهت، بل على نفسك التي تركتها دون أن تحميها.

الندم على ذاتٍ لم تُنقذ، أثقل بكثير من الندم على علاقة انتهت.

حين يقف أحدهم بينك وبين أبسط حقوقك – أن تخرجي، أن تسافري، أن تلتقي بصديقاتك – فهو لا يحبك، بل يختزل حياتك في حدودٍ تخدمه… والأسوأ أنك، رغم ذلك، تواصلين منحه ما ليس من حقه: وقتك، مالك، جهدك… كأنك تشاركين في تثبيت القيد الذي يؤلمك.

اسألي نفسك بوضوح: كيف يمكن لإنسان يمنعك من أن تكوني سعيدة، أن يستحق منك دعمًا يجعله أكثر قدرة على إيذائك؟

أنت لا تُطالِبين بالكثير، بل بما هو لك أصلًا.

وحين تدركين ذلك، لن يبدو البقاء تضحية… بل تأجيلًا موجعًا لحياةٍ تستحقينها.

غادرت رُبى وكأنها خرجت من قوقعة مكسورة، في الليل جلست هيفاء على أريكتها الجلدية  أمام شمعة عطرية لا تنطفئ.

فتحت دفترها الجلدي فرأت عبارة: رُبى – تم التحرير.

ثم فتحت إنستغرام، فظهر تحديث جديد باسم (التي نهضت( مع ابتسامة حمراء وفستان جديد، وتحتها جملة صامتة تقول: البداية لا يصنعها رجل، تبدأ من المرآة.

كتبت هيفاء: في دفترها تمت المهمة!

في الدور العلوي لا زال زياد يضحك مع زوجته الجديدة، وفي الدور السفلي تدفع هيفاء النساء لفعل ما لم تسطيع فعله هي!

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى