كتاب الرأي

بين جدارٍ وجدار… حكايات إنسانية تُكتب بصمت الجوار

 

بقلم أ. غميص الظهيري

في زمنٍ تتسارع فيه إيقاعات الحياة وتضيق فيه المسافات بين البشر دون أن تقترب القلوب بالقدر ذاته، تظل علاقة الجار بالجار واحدة من أصدق العلاقات الإنسانية وأكثرها عمقًا. فالجار ليس مجرد شخص يسكن خلف جدارٍ ملاصق، بل هو حضور يومي هادئ في تفاصيل الحياة، يراك دون تكلف، ويشعر بك دون إعلان، وقد يكون أقرب إليك من أقرب الناس في لحظةٍ لا يتوقعها أحد.
حقوق الجار ليست بنودًا تُحفظ، ولا تعليمات تُفرض، بل هي انعكاس حيّ للأخلاق في أبسط صورها وأكثرها صدقًا. إنها تبدأ من نظرة ودّ صادقة، ومن كلمة طيبة تُقال بعفوية، وتمتد إلى مواقف إنسانية تحمل في طياتها معنى الاحترام والرحمة. فالإنسان قد يُجيد التعامل مع الغرباء، لكنه لا يستطيع أن يتصنّع طويلًا أمام جاره، لأن القرب يكشف الحقيقة، ويُظهر المعدن.
وفي هذه العلاقة، يظهر التوازن بوصفه أجمل ما فيها؛ فلا هي علاقة تدخلٍ بثقل، ولا هي قطيعة تُبرد الروح. إنها مساحة إنسانية رقيقة، يعرف فيها كل طرف حدوده دون أن يفقد دفئه. فأن تشعر أن هناك من يحيط بك دون أن يقيّدك، وأن هناك من يلاحظك دون أن يقتحمك، هو بحد ذاته نعمة لا تُقدّر.
كم من جارٍ تحوّل مع الأيام إلى قصة دفءٍ لا تُنسى، وكم من بابٍ فُتح دون موعد، وكم من موقفٍ بسيطٍ غيّر نظرة إنسان للحياة. التفاصيل الصغيرة التي قد يظنها البعض عابرة، كالسؤال عند الغياب، أو مشاركة لحظة عفوية، هي في حقيقتها خيوط خفية تنسج علاقات عميقة يصعب كسرها.
ورغم أن العصر الحديث قد ألقى بظلاله على هذه العلاقة، وجعلها في بعض الأحيان أكثر برودة بفعل الانشغال والعزلة الرقمية، إلا أن الجوهر الإنساني لا يزال حاضرًا، ينتظر فقط من يوقظه. فالإنسان بطبيعته يميل إلى الألفة، ويبحث عن الطمأنينة فيمن يحيطون به، حتى وإن لم يُفصح عن ذلك.
إن حقوق الجار في حقيقتها ليست عبئًا، بل فرصة يومية لأن يكون الإنسان أفضل، فرصة ليُمارس إنسانيته دون تكلف، ويترك أثرًا طيبًا في حياة من يجاوره. وبين جدارٍ وآخر، لا تُقاس المسافة بالأمتار، بل بما يُزرع فيها من مشاعر.
وفي نهاية المطاف، يبقى الجار اختبارًا صامتًا للأخلاق، ومرآةً تعكس حقيقة الإنسان كما هي، دون تجميل. فإما أن تكون حضورًا يُؤنس، أو غيابًا لا يُلاحظ، والفرق بينهما تصنعه تفاصيل صغيرة، لكنها في ميزان الإنسانية عظيمة.

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى